السيد كمال الحيدري
191
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الناشئة من حول الفعل الإنسانى ووعيه بدقّة للمأزق الذي تورّطت به نظرية الكسب ، وأنّها ما هي « إلّا محاولة لتزييف التضارب القائم بين هاتين النظريتين » « 1 » ؛ نظرية الجبر ونظرية الاختيار ؛ بالرغم من ذلك كلّه وعلى ما نلمس في هذه المحاولة من إيجابيات أخرى حين نطلّ عليها بعد ما يناهز الأربعة عقود على صدورها حيث خفّت الضجّة وهدأت حالة الانفعال ، نجد أنّ صاحبها سقط بأخطاء فادحة ربّما يعود أغلبها إلى المنهجية الأحادية التي حنّطت عقله وجعلته لا يرى من الظواهر التي تقابله إلّا السواد المطلق أو البياض المطلق ، والخير المطلق أو الشرّ المطلق . وهذا ما اتّسمت به أحكامه . ففي تحليله للأزمة أعاد كلّ شئ إلى « الذهنية الدينية » أو « العقلية الغيبية » التي تتّصف « بطغيان التقبل العفوى والانتظام اللاشعورى للإنسان ضمن إطار الآيديولوجية الغيبية » « 2 » ، وحرّض في المقابل ما أسماه بالفكر العلمي التحليلي لمواجهة الذهنية الدينية على كافّة المستويات « 3 » ، مع أنّنا نعرف أنّ الهزيمة نشأت بفعل أنظمة لها أيديولوجيتها المعروفة ، ولا صلة لها بالفكر الديني من قريب أو بعيد . ثمّ إنّ احتكار العلمية والتحليلية والعقلانية ووصم الآخر بما يقابلها من نعوت ليس فقط لا يحلّ مشكلة الواقع ، بل يستبطن أيضاً تزويراً فاضحاً للحقائق . فهاهو ذا الفكر الإسلامي يشكو من الواقع ومن تفشّىالروح القدرية بالمعنى العرفي للقدر ويأخذ على ذهنية المسلمين غيبيتها الاستسلامية قبل صدور محاولة صادق العظم وبعدها ، ويعلّمها أنّ النصر ليس حقّاً إلهيّاً للمسلمين وإنّما هو حقّ طبيعي يتوقّف على قدر ما يوفّر له
--> ( 1 ) نقد الفكر الديني ، ص 144 كما تلحظ قول المؤلّف أيضاً أثناء محاكمته أمام محكمة المطبوعات ، ص 250 . ( 2 ) نقد الفكر الديني ، مصدر سابق ، ص 7 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 8 .